الشيخ عبد الغني النابلسي
94
كتاب الوجود
محيد لكل أحد عما ذكرنا من أن الصورة لها وجهان : وجه تقابل به الوجود المطلق الذي هو وجود الواجب سبحانه من كونها موجودة به في الذهب ، ووجه تقابل به العدم المطلق الذي هو المستحيل من كونها معدومة « 1 » من نفسها ، فعلم الواجب بها أو الحكم عليه معها علم به وحكم عليه ، على حسبة الاستعداد الممكن ، ولا يكون غير هذا هو من ضروريات المعقول والمنقول والصورة الواحدة الواقعة من العقول مساوية لجميع الصور من حيث إنها كلها مخلوقة ، فلا وجه لتخضيعها من دون سائر الصور المعقولة والمحسوسة في أن اللّه تعالى معلوم بها ومحكوم عليه فيها إلا من حيث إنه تعالى اختار التجلي بها على قلب ذلك العبد ، واستتر عنه في غيرها كما سنذكره ، واللّه أعلم وأحكم . فإن قيل : حيث اشترطت المطابقة لما هو في الخارج في تصوير المعلوم والمحكوم عليه ، وإلا كان العلم لغير ذلك المعلوم لا له ، والحكم على غير ذلك المحكوم عليه لا على المحكوم عليه « 2 » . فمن علم بالأمور الفائتة عنه أو حكم عليها بما هو حاكم عليها : كالعلم بالأنبياء الأولين - عليهم السلام - والحكم عليهم بالنبوة ، والعلم بالجنة والنار ، ومواطن الآخرة ، ونحو ذلك ، والحكم عليها بأنها كلها حق ، وهو لم يكن تصورها بصورة مطابقة لما هي عليه في الخارج ، لم يكن ذلك علما لها ولا حكما عليها ، فيلزم ألا
--> ( 1 ) يحاول المتكلمون نقد الفلاسفة في مجال آخر ، فيذهبون إلى أن قولهم بالوجود الأزلي يؤدى إلى عدم حصول شيء من التغيرات في الكون ؛ أي لا يستطيع مذهبهم تفسير الكثرة في هذا الكون ، وهذا خلاف الحس فيما يقول المتكلمون . يقول الرازي : إنه يلزم عن قول الفلاسفة عدم حصول شيء من التغيرات ؛ لأنه يلزم من دوام واجب الوجود أزلا وأبدا ، دوام المعلول الأول ، ومن دوام المعلول الأول دوام المعلول الثاني ، وهلم جرّا إلى آخر المراتب ، فيلزم ألا يحصل في العالم شيء من التغيرات ، وهذا خلاف الحس . [ الأربعون للرازي ( 51 ) ] . ( 2 ) قال الشهرستاني في نهاية الإقدام ، ( ص 47 ) : « الفعل إنما امتنع في الأزل ، لا لمعنى يرجع إلى الفاعل ، بل راجع إلى نفس الفعل ؛ حيث لم يتصور وجوده ، فإن الفعل ما له أول ، والأزل ما لا أول له ، واجتماع ما لا أول له مع ما له أول محال ، فهو تعالى جواد ؛ حيث يتصور الجود ، ولا يستحيل الموجود » .